ابن رشد

51

تهافت التهافت

الأجرام . والأفضل في المتحركات واجب أن يكون له الجهة الأفضل . وهذا كله بيّن هاهنا بهذا النحو من الإقناع ، وهو بيّن في موضعه ببرهان . وهو ظاهر قوله تعالى : لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ . لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ . وإن كنت تحب أن تكون من أهل البرهان فعليك التماسه في موضعه . وأنت لا يعسر عليك إذا فهمت هذا ، فهم خلل الحجج التي احتج بها أبو حامد هاهنا في تماثل الحركتين المختلفتين بالإضافة إلى جرم جرم من الأجرام السماوية . وبالإضافة إلى ما هاهنا ، فإنه يخيل في بادئ الرأي أن الحركة الشرقية يمكن أن تكون لغير الفلك الأول . وأنه يمكن أن يكون له الحركة المغربية . وهذا كما قلنا هو مثل من أن جهة الحركة في السرطان يمكن أن تكون جهة الحركة في الإنسان . وإنما يعرض هذا الظن في الإنسان والسرطان ، لموضع اختلاف الشكل فيهما . وعرض هذا في الأكر السماوية لموضع اتفاق الشكل . ومن نظر إلى مصنوع من المصنوعات لم تتبين له حكمته ، إذا لم تتبين له الحكمة المقصودة بذاك المصنوع ، والغاية المقصودة منه . وإذا لم يقف أصلا على حكمته ، أمكن أن يظن أنه ممكن أن يوجد ذلك المصنوع وتلك الحكمة ، وهو بأي شكل اتفق ، وبأي كمية اتفقت ، وبأي وضع اتفق لأجزائه ، وبأي تركيب اتفق . وهذا بعينه هو الذي اتفق للمتكلمين مع الجرم السماوي . وهذه كلها ظنون في بادئ الرأي . وكما أن من يظن هذه الظنون في المصنوعات ، هو جاهل بالمصنوعات وبالصانع ، وإنما عنده فيها ظنون غير صادقة ، كذلك الأمر في المخلوقات . فتبين هذا الأصل ، ولا تعجل وتحكم على مخلوقات اللّه تعالى سبحانه ببادي الرأي ، فتكون من الذين قال فيهم سبحانه : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا ، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً .